مُحطّمات الروح

209

بلا عَجلٍ، وكعادتهِ يمشي إلى موقفِ الحافلات “محطّماتُ الروح” .. هكذا أسماها لمّا كان بالغاً الحُلُم، يخرجُ وحيداً نُصبَ عينيه بناءٌ عند أطرافِ الأرض، ربما هنا ينتهي العالم و معه كلُّ شيء، ربما هنا _يحدّث نفسه_ أنظرُ جنوباً فأرى قَدَمَيْ الأرض. ربما أنظرُ شرقاً فأرى منبعَ شمسٍ لا تتكرم بظلٍّ حقير يغطيني. سنواتٌ وسنوات. هكذا هي حالهُ مع الحافلة، كلّ ذلك محشورٌ في دواليبِ الذاكرة، يرجع إلى الذات، تتقيؤها النّفس ويضيقُ الصدرُ وتولدُ غَصّة في أعلى الحلقوم. الآن فقط ينشُقُ كحيوانٍ خرافي، ويدخل دخان العوادم (ما أجملها من كلمة، “عوادم “) يدخل الصدرَ يتخدّر الرأس.. هذا ما أحتاجه .

على هذا المنوالِ يُمضي “هذا” كلّ يوم رحلته بكلّ تفصيل، لا شيء يتجددُ سوى ألوان وأشكال القاذورات في ساحة الانتظار وربما، ربما وجوهُ النّاس .

يجلسُ في المقعد قربَ خيالٍ أزرق، مثيرةٌ هي الخيالات التي جلس بجانبها، ملَّ التعدادَ حيثُ نسي الكثير وبقي بعضُ المثير . اصطدم أنفه برائحة الخيال .. يمكن وصفها كالتالي: لنفرض أن ألوان غسقٍ ما في مدينة نقاؤها دعارة، لنفرض أن تلك الألوان “جانستها” اصبع لم تعتد الرسم، ولطّخت لوناً كحلياً على سماءٍ بقي فيها حمرةٌ بسيطة من شمس آفلة، أو بكارة حانَ قطافها. هي الرائحة إذاً، دقّت بابَ الفضول .

يلتفتُ هذا، وبطرفِ العين يرى ذقناً رماديّة مشوشة، وقبعةً صوفيّة خضراء لا تتماشى ذوقآ مع بنطال ذي ثقوب مخفيّة بعناية بلطخات الوحل، وحذاء مشت فيه السنون قبل القدمين .. “يخاطبنا هذا الآن”: لي هوسٌ بأصابعٍ الناس، فالحياةُ علمتني قراءة كفّ زينها الرّخاء أو البؤس.. هنا لسْتَ بحاجة لتمحيص طويل، الشقوق السوداء الدقيقة .. حواشي كلّ ظفر تروي الحكاية بإيجاز.

الخيالُ يقرأ شيئاً!! بينَ يديه مجلّةٌ قديمة “العربي” هكذا كان اسمها، تاريخُ النَسخة ٢٠٠٩ و بينَ صفحاتها برزت تقاريرُ خضراءُ رقيقة، ااااه ! فواتير حكومية ، لكنَّ الخيال لا يبدي اهتماماً بها، ويقرأُ بتمعن قلّ نظيرهُ عنواناً .. ” الحياةُ خارجَ كوكبِ الأرض”.. الإصبع نفسها تبتلُّ بلعابٍ لم يلمس طعاماً من الأمس، وتتموضعُ ساكنةً وقورةً ثابتةً فوق عبارة ” وعلى الأغلب لن يكونَ هنالك حياةٌ على كوكب الزُهرة، فالضغطُ العالي والحرارةُ المرتفعة تجعلُ منَ الحياة أمراً مستحيلاً ” .

أُقسِمُ بما مرَّ على البشرية من أحداث، أُقسِمُ بأنفاسِ الخلائق أنّي أرى الخيالَ ينظرُ من نافذة “محطمة الأحلام والأمل”، ينظرُ دونَ عودة إلى السماء .. هناك ، ليرى أو ليجد أو ليسمعَ هسيسَ نَفَس أو بريقَ ومضة أو لحنَ خليّة أو أيَّ شيء.. يخلّصه من الموت هنا .
فجأةً يلتفتُ الخيالُ نحوي، وتكشفُ ابتسامةٌ أجملُ من ألف عذراء عن أسنان لم ترَ تبغاً أبداً !! ، يكلّمني: “بدي اسألك بالله المواصلات وين صارت؟؟”.

لساني أعطاهُ المكان، في القلب جوابٌ آخر، في القلب خيالانا أنا وأنتَ هناك .. حيث أكبر دائرةٍ “غير حكومية “.. للمواصلات.