سلعةٌ للبيع

24

أنا من هناك من أرضٍ بعيدة لا اسمَ لي ولا هويّة ولا حتّى وطن .. أنا طفلةٌ وامرأة في آنٍ واحد .. أتّخذُ من خيمةٍ مُهترئة لا تتجاوز البضعةَ أمتارٍ بيتاً لي ولعائلتي المكوّنة من سبعةِ أشخاص، نأكلُ ما توّفر لنا من طعام أخطأ طريقه فـ جاء إلينا، وإذ لم يأت؛ِ نرفعُ رؤوسنا نحو السماء ونفتحُ أفواهنا، عساها تُمطرُ خُبزاً .. غارقين في فقرنا المُدقع ولا سبيل للنجاة .. نحنُ الذين لا حولَ لنا ولا قوّة إلا بالله ..

في أحدِ الأيّام جاءنا رجلاً في الأربعين من عُمره تقريبا، تفحصّتُه في استغراب واندهاش ليس إعجابا به ؛ بل أحسستُ لحظتها بأنّني أعرفه وقد سبق أن رأيته من قبل لكن لا أدري أين .. ” ربّما ليس هو الذي رأيته لعلّ شخصا آخر يشبهه ” أبعدتُ عنّي الشكوك وتوّقفتُ عن التفكير .. وخرجنا أنا وأمي وأخوتي من الخيمة بناءً على أمرِ والدي، ريثما يذهب ذاك الرجل الغريب .. ذرعتْ أمي المخيّم جيئةً وذهابا وقد بلغت الحيرة مبلغها بشأنِ الرجل الذي أتانا على حينِ غرة .. حاولتُ الاقتراب من الخيمة واستراق السّمع لكن أمي منعتني .. بعد مرور نصف ساعة، ذهب الرجل فدخلنا الخيمة وعلى الفور بادرت أمي بالسؤال :
” من كان ذلك الرجل يا أبا سليمان وما الذي يريده منك ” لاذَ أبي في صمته لكأنّه يُدَوزِنُ الكلمات التي سيقولها .. تكلّم أخيرا بعد برهة من الصمت :
” طلبَ يدَ أريج للزواج ” انغرست كلمات أبي كالسّيف في صدري حالما سمعتُها وأطلقت أمي شهقة عالية لكأنّ أحدا رَشقَها بالماءِ الساخن ..
” ماذا قلتْ ؟! ”
” كما سمعتِ يا أمّ سليمان، قال أنّه رأى أريج وهي جالسة في ساحةِ المُخيّم ”
آااه صحيح تذكّرتُ ..! هذا هو الرجل الذي رمقني بنظراتٍ غريبة وحدّق بي طويلا ..
” وأنت ماذا قلتَ له ؟ ”
” بالله عليكِ ما عساي أقول سوى أن يمهلنا وقتا لنفكّر في الأمر ثم نردّ له الجواب ”
” وهل هناك داعي للتفكير، بالتأكيد لن نوافق على زواج ابنتنا من رجل في عُمرِ أبيها ” كنت استمع إلى حديثِهم وقلبي يضخُ ّالدّمَ بسرعة كـ نهرٍ جارف، وأسناني تصطكُّ ببعضها وأوصالي ترتجف خوفا من حصول ما يجولُ في خاطري ..
” بالطّبع لأنّك لا تعرفين شيئا ستتفوّهين بهذا الكلام .. إنّه رجلاً غنيّاً يملكُ قصورا وسيّارات وخدم وحَشم ثروته تفوقُ الملايين .. إنها فرصة لا تفوت على الإطلاق ! ”
” أتدرك ما تقول ..؟ إنّه زواج لا صفقة بيع وشراء ”
” اصمتي يا امرأة لكي لا أُريكِ شيئا لا يُرضيكِ، هذه ابنتي وأنا فقط مَن يعرفُ مصلحتَها ليس من شأنك أن تدّخلي فيما لا يعنيك ”
” لا يعنيني ..! هذه ابنتي أيضا لن أزوّجها في هذا العمر ما دمتُ أتنفّس “، قام وقتها أبي ليُبرحَ أمي ضربا فاعترضتُ طريقَه وقلتُ بأسى :
” سأفعلُ ما تشاء سأتزوّج من ذاك الرجل ”
” حسنا فـ لتَجهزي، بعدَ يومِ غدّ عُرسك، سأُعطي كلمةً أخيرة للرجل “، لا خَيارَ لي سوى أن أُطيعَ أمرَ أبي .. كـ طفلةً مثلي ضعيفة

ما الذي تقدر على فعلِه ؟ بكينا كثيرا آنذاك حتى نَضَبَ بئرُ الدّمع في أعيُنِنا ..
أعرف أنّ أمي هي الأخرى ليس بوسعها الوقوف في طريق أبي ومنعه من إتمام هذا الزواج فأبسط ما كان سيفعلَه ‘ الطلاق ‘، ربّما بزواجي أساعدُ أهلي وأعطيهم المال ” صرتُ أواسي نفسي بنفسي ..
في صبيحة اليوم التالي استيقظتُ على واقعي المُؤلم .. لأوّل مرّة تمنيّت لو أنّني لم استيقظْ، ليتني نمتُ النّومةَ الأبديّة ..! أحضرت أمي الفستان الأبيض، الفُستان الذي لطالما حلمتُ بإرتدائه منذ نعومة أظفاري، لكن ليس في هذا الحال ! وإنّما بعد إكمال تعليمي لأُصبح معلّمة تُربّي أجيالا بأكملها بعدما، أصبح مُهيّأة لتحمُّل مسؤوليّة الزواج لا أن أتزوج رغما عني ومِن مَن ..؟ مِن رجلٍ يكبرُني بسبعة وعشرين خريفا ..

ودّعتُ أمي وأخوتي، لن أنسى أبدا عينا أمي تذرفُ الدّمعَ ليسّاقطّ على وجنتينِ قاحلتين .. لو كان بوسعي أن اختبئ خلف ضلوعِ صدرِها من هذا العالم الشرير ما كنتُ لأتردّد .. سأنام الليلة من دونكِ يا أمي .. لا أصعب من أن تبتعد ابنة عن أمّها .. سامحك الله يا أبتي سامحكَ الله .. !

لم يدُمْ زواجي منه طويلا .. بعد ثلاثة أشهرٍ تطلّقتُ، خلال هذه الفترة لم أذقْ طعمَ الهناءِ والرّاحة، لم أعرف الليل من النهار ولا النهار من الليل، وكان يمنعني في كلّ مرّة من زيارة أهلي أو إرسال المال إليهم عدا عن الضّرب الذي قاسيته عنده في كلّ وقت وحين .. وعدتُ إلى أهلي في المخيم .. لكنّني ما عدتُ أنا، ذَبُلت روحي وغدتْ عجوز بلغت من العمرِ عتيّا .. !
دفعَ أبي ثمنَ حياتي مقابلَ صكٍّ لا قيمةَ له ..!

[هذه المقالة تمت إضافتها عبر مدونات دوبارة وتعكس رأي الكاتب فقط]